المؤتمر القانوني الدولي الثاني - إسطنبول
12 تموز / يوليو 2026
مبادرة دولية
للدفاع عن المحكمة الجنائية الدولية
وعن قضاتها المستهدفين بعقوبات أحادية الجانب
12 يوليو/تموز 2026
1. مبررات المبادرة
في 6 فبراير/شباط 2025، وقع رئيس الولايات المتحدة الأمريكية مرسوماً رئاسياً يفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية («المحكمة»)، وعلى موظفيها وعلى كل شخص يقدم دعماً لأنشطتها. ويستند هذا المرسوم بوجه خاص إلى قانون حماية أفراد الخدمة العسكرية الأمريكيين لعام 2002، وهو نص تبناه الكونغرس الأمريكي لإعفاء مواطني الولايات المتحدة من اختصاص المحكمة.
ومنذ ذلك التاريخ، جرى توسيع نطاق العقوبات على دفعات متتالية، ففي 19 ديسمبر/كانون الأول 2025، كان أحد عشر قاضياً من قضاة المحكمة يخضعون لتدابير تجميد الأصول ومنع الدخول إلى الأراضي الأمريكية، بعد استهداف قاضيين إضافيين في ذلك التاريخ.
كما كان الادعاء العام للمحكمة تحت دائرة الاستهداف والضغوط الأمريكية، إذ فرضت الإدارة الأمريكية في العام 2020 عقوبات على المدعية العامة السابقة للمحكمة فاتو بنسودا، شملت تجميد أصولها المالية داخل الولايات المتحدة وحظر التعامل معها مالياً أو تجارياً مع الأفراد والمؤسسات الأمريكية، إضافة إلى قيود على منح التأشيرات وحظر الدخول إلى الولايات المتحدة.
كما شملت الضغوط أيضاً المدعي العام كريم خان، الذي تعرض لذات العقوبات، إضافة إلى تصريحه بتعرضه لتهديدات لشخصه وعائلته على خلفية طلب إصدار أوامر اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي وموقفه خلال حرب الإبادة على غزة.
وتبين الشهادات التي جُمعت من القضاة الخاضعين للعقوبات مدى خطورة هذه التدابير على أرض الواقع، فهي تتنوع من تجميد الحسابات المصرفية والأصول الموجودة لدى جهات فاعلة أمريكية، وإنهاء العمل من جانب واحد بالحسابات الرقمية (Apple ID، iCloud، Amazon، PayPal، Airbnb)، ومنع التنقل إلى أراضي الولايات المتحدة، وحالة دائمة من عدم اليقين تطال الحياة الشخصية والمهنية للمعنيين وأسرهم.
وقد أثارت هذه العقوبات إدانة واسعة من المجتمع الدولي، فقد نددت فرنسا بـ”كل أشكال التهديد والتدابير القسرية الموجهة ضد المحكمة وموظفيها ومنظمات المجتمع المدني الداعمة لها”، مؤكدة أن هذه التدابير “تشكل مساساً بالمحكمة وبمجموع الدول الأطراف الـ125 في نظام روما الأساسي” وأنها “تتعارض مع مبدأ استقلال القضاء”.
كما أدان التحالف من أجل المحكمة الجنائية الدولية (CICC)، الذي يضم أكثر من 150 منظمة من منظمات المجتمع المدني، هذا المرسوم، ودعا الدول الأطراف إلى “الدفاع عن المحكمة وموظفيها والأشخاص المتعاونين معها”.
ومن جانبها، دعت منظمة هيومن رايتس ووتش الاتحاد الأوروبي إلى تفعيل “لائحة الحجب” (Blocking Statute) دون تأخير، بغية تحييد الآثار خارج الإقليمية للعقوبات الأمريكية.
وفي ظل هذا السياق غير المسبوق من إضعاف العدالة الجنائية الدولية، جاءت هذه المبادرة الدولية لتكون منبراً قانونياً دولياً للدفاع عن العدالة الجنائية وقضاة المحكمة.
2. الأسس القانونية للمبادرة
يندرج العمل المقترح ضمن إطار قانوني دولي واضح المعالم.
فالمادة (48) من نظام روما الأساسي تكرس الامتيازات والحصانات التي يتمتع بها القضاة والمدعي العام وموظفو المحكمة أثناء ممارسة مهامهم، في حين تجرم المادة (70) كل عرقلة تستهدف أحد موظفي المحكمة بسبب ممارسته لوظيفته باعتبارها جريمة مخلة بإقامة العدل.
وتتعارض العقوبات الأحادية الجانب التي تستهدف قضاة أثناء ممارستهم لمهامهم، بشأن أفعال قاموا بها في إطار ولايتهم القضائية، تعارضاً مباشراً مع هذه المبادئ، ومع مبدأ استقلال القضاء الدولي الأكثر عمومية والمعترف به في القانون الدولي العرفي.
وترتكز المبادرة القانونية على:
المساس باستقلال القضاء: إن معاقبة قاضٍ بسبب ممارسته لوظيفته القضائية يشكل تدخلاً في سير عمل جهة قضائية دولية معترف بها من قبل 125 دولة طرفاً، ويمس بمبدأ الفصل بين السلطات المنقول إلى المستوى الدولي.
الطابع خارج الإقليمي للعقوبات الأمريكية: تطال هذه التدابير مواطنين ومؤسسات لا تحمل الجنسية الأمريكية ولا تربطها بالولايات المتحدة أي صلة إقليمية أو صلة جنسية، وهو ما يطرح تساؤلاً حول مشروعيتها في ضوء القانون الدولي العام، ويبرر اللجوء إلى آليات الحجب، على غرار اللائحة الأوروبية التي طالبت المحكمة نفسها والبرلمان الأوروبي وعدد من الدول الأعضاء بتفعيلها.
المسؤولية الجماعية للدول الأطراف: بصفتها الجهة الضامنة لنظام روما الأساسي، تتحمل الدول الأطراف الـ125، بحسب تعبير التحالف من أجل المحكمة الجنائية الدولية، “واجباً جماعياً والتزاماً حاسماً” بالدفاع عن المحكمة وموظفيها والأشخاص المتعاونين معها.
3. أهداف المبادرة
تسعى المبادرة إلى تحقيق أربعة أهداف متكاملة:
الدفاع عن المحكمة وقضاتها وموظفيها.
تعبئة العلاقات الدولية لصالح القضاة الخاضعين للعقوبات.
تفعيل أو تعزيز آليات الحماية القائمة (لائحة الحجب الأوروبية، والآليات الوطنية المماثلة).
اتخاذ تدابير عملية ملموسة لحماية القضاة الخاضعين للعقوبات.
وتضع المبادرة نصب عينيها إنشاء صندوق للدعم القانوني يتيح توكيل محامين ومنظمات متخصصة للدفاع عن مصالح المحكمة وقضاتها أمام المحاكم الأمريكية المختصة، وكذلك أمام أي هيئة دولية أو إقليمية قد تنظر في مدى مشروعية هذه العقوبات.
4. خاتمة
في مواجهة مساس غير مسبوق باستقلال العدالة الجنائية الدولية، تقترح هذه المبادرة استجابة منظمة تجمع بين التعبئة الدبلوماسية والعمل القانوني.
ويتوقف نجاحها على تحقيق التفاف دولي واسع، وحوكمة شفافة، وتنسيق وثيق مع الجهات الفاعلة الملتزمة بالفعل بهذه القضية، بما في ذلك الدول الأطراف في نظام روما الأساسي، والتحالف من أجل المحكمة الجنائية الدولية، ونقابات المحامين، ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان، من أجل تشكيل جبهة موحدة ومستدامة في خدمة المحكمة الجنائية الدولية وقضاتها.
انتهى
